الجاحظ

196

رسائل الجاحظ

[ 17 - يجب ان يكون الامام واحدا ] فصل منه : ولكنا نقول : لا يجوز ان يلي أمر المسلمين على ظاهر الرأي والحزم والحيطة أكثر من واحد ، لأن الحكام والسادة إذا تقاربت أقدارهم وتساوت غايتهم قويت دواعيهم إلى طلب الاستعلاء واشتدت منافستهم في الغلبة . وهكذا جرب الناس من أنفسهم في جيرانهم الادنين ، في الأصهار وبين الأعمام والمتقاربين في الصناعات كالكلام والنجوم والطب والفتيا والشعر والنحو والعروض والتجارة والصناعة والفلاحة أنهم إذا تدانوا في الأقدار وتقاربوا في الطبقات قويت دواعيهم إلى طلب الغلبة واشتدت جواذبهم في حب المباينة والاستيلاء على الرئاسة . ومتى كانت الدواعي أقوى كانت النفس إلى الفساد أميل والعزم أضعف وموضع الروية أشغل والشيطان فيهم أطمع ، وكان الخوف عليهم أشد وكانوا بموافقة المفسد أحرى وإليه أقرب . وإذا كان ذلك كذلك فأصلح الأمور للحكام والقادة إذا كانت النفوس ودواعيها ومجرى أفعالها على ما وصفنا أن ترفع عنهم أسباب التحاسد والتغالب والمباهاة والمنافسة ، وأن ذلك ادعى إلى صلاح ذات البين وأمن البيضة وحفظ الأطراف . وإذا كان اللّه تبارك وتعالى قد كلف الناس النظر لأنفسهم واستيفاء النعمة عليهم وترك الخطر بالمملكة والتغرير بالأمة ، وليس عليهم مما يمكنهم أكثر من الحيطة والتباعد من التغرير ، ولا حال ادعى إلى ذلك أكثر مما وصفنا ، لأنه أشبه الوجوه بتمام المصلحة والتمتع بالأمن والنعمة . فصل منه : فلما كان ذلك كذلك علمنا أنه إذا كان القائم بأمور المسلمين بائن الأمر متفردا بالغاية من الفضل ، كانت دواعي الناس إلى مسابقته ومجاراته أقل ، ولم يكن اللّه ليطبع الدنيا وأهلها على هذه الطبيعة ويركب أهلها هذا التركيب حتى تكون إمامة الواحد من الناس أصلح لهم إلا وذلك الواحد موجود عند إرادتهم له وقصدهم إليه ، لأن اللّه لا يلزم الناس في ظاهر الرأي والحيطة إقامة المعدوم وتشييد المجهول ، لأن على الناس التسليم وعلى اللّه تعالى قصد السبيل . وهل رأيتم ملكين أو سيدين في جاهلية أو إسلام من العرب جميعا أو من العجم لا يتحيف